فخر الدين الرازي
59
القضاء والقدر
الإيمان عنهم ، والذين أخبر عنهم أنهم يؤمنون : يستحيل عدم الإيمان عنهم . الخامس : إنه تعالى عاب الكفار على أنهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر اللّه عنه . فقال : يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ . قُلْ : لَنْ تَتَّبِعُونا . كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ « 1 » . فثبت : أن القصد إلى تكوين ما أخبر اللّه عن عدم وقوعه : قصد إلى تبديل كلام اللّه . وذلك منهي عنه فلما أخبر اللّه عنهم : أنهم لا يؤمنون ، كان القصد إلى تكوينه قصدا إلى تبديل كلامه . وذلك منهي عنه وكان ذلك حاصلا ، سواء حاول تكوين الإيمان أو لم يحاول . فثبت : أن الذي علم اللّه أنه لا يقع ، وأخبر أنه لا يقع ، كان وقوعه ممتنع الحصول . فإن قيل : علم اللّه لا يقلب الجائز ممتنعا . ويدل عليه وجوه عقلية ووجوه سمعية . أما الوجوه العقلية فعشرة : الأول : لو كان كذلك ، لوجب أن لا يكون اللّه قادرا على شيء أصلا . لأنه تعالى إن علم في الشيء أنه سيقع ، كان واجب الوقوع . وما كان واجب الوقوع لم يكن له في وقوعه حاجة إلى المؤثر ، فكان ينبغي أن يستغني وقوعه عن قدرة اللّه تعالى . فإن علم أنه لا يقع كان ممتنع الوقوع ، والممتنع لا قدرة عليه . فثبت : أن العلم لو اقتضى انقلاب الجائز واجبا أو ممتنعا ، لزم نفي قدرة اللّه تعالى . وذلك محال . الثاني : إن العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه . فإن كان ممكنا ، علمه ممكنا وإن كان واجبا . ولا شك أن الإيمان والكفر ، بالنظر إلى ذاته من باب الممكنات . ولو صار واجب الوجود ، لصار العلم مؤثرا في المعلوم . وقد بينا أنه محال . الثالث : لو كان العلم والخبر مانعا ، لما كان العبد قادرا على شيء أصلا . لأن الذي علم اللّه وقوعه كان واجب الوقوع . والواجب لا قدرة عليه ، والذي علم عدمه كان ممتنع الوقوع ، والممتنع لا قدرة عليه . فوجب أن لا يكون العبد قادرا على شيء أصلا ، فكانت حركاته وسكناته ، جارية مجرى حركات الجمادات ، ومجرى الحركات الاضطرارية للحيوانات . لكنا بالبديهة نعلم فساد ذلك . فإن من رمى إنسانا بالآجرة حتى شجه . فإنه يذم الرامي ، ولا تذم الآجرة ، ويدرك بالبديهة تفرقة بين ما إذا سقطت الآجرة عليه ، وبين ما إذا لكمه إنسان بالاختيار . ولذلك فإن العقلاء ببدائه عقولهم ، يدركون الفرق بين مدح المحسن وذم المسئ ، ويلتمسون ويأمرون ويعاتبون ، ويقولون : لم فعلت ؟ ولم تركت ؟ فدل ذلك على أن العلم والخبر غير مانعين من الفعل . الرابع : لو كان العلم بالعدم ، مانعا من الوجود . لكان أمر اللّه الكافر بالإيمان : أمرا له
--> ( 1 ) سورة الفتح الآية 15 .